آخر تحديث: ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦
نعم، للموارد البشرية مستقبل، لكن يومها لن يشبه اليوم الذي نعرفه. المسمى الوظيفي يبقى، واليوم يتغيّر. العمل المتكرر، كإدخال البيانات والخطابات والرد على الأسئلة المعتادة وحساب المسيّرات، ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي. أما عمل الحكم والتقدير، كالقرار في الحالات الصعبة والثقة والعدالة، فيكبر. ومن يدخل التخصص اليوم يحتاج إلى مهارات البيانات والحكم والتواصل، لا إلى حفظ الإجراءات وحدها.
إذا كنت تختار تخصصك الجامعي، أو بدأت للتو أول وظيفة لك في الموارد البشرية، أو كنت أبًا أو أمًّا يسأل ابنه أو ابنته «لماذا هذا التخصص؟»، فهذا المقال لك. السؤال الذي يدور في رأسك بسيط: هل أضع سنواتي في مجال سيأخذه الذكاء الاصطناعي؟
أعمل في مجال الموارد البشرية منذ عام ٢٠٠٧، حين بدأت مطوّرًا لأنظمة الرواتب. وأسست Solvait عام ٢٠١٠، وبدأنا ببرنامج للرواتب، واليوم هي شركة تقنيات موارد بشرية بالذكاء الاصطناعي التوكيلي. لذلك أرى عمل الموارد البشرية من الداخل كل يوم، وأرى ما يتغيّر فيه. وجوابي الصريح: التخصص يستحق، بشرط أن تتعلّمه بطريقة مختلفة.
هل الموارد البشرية لها مستقبل فعلًا؟
نعم. كل منشأة فيها موظفون تحتاج إلى من يختار الناس، ويدفع لهم بعدل، ويهتم بهم حين يمرّون بظرف صعب، ويحلّ الخلاف حين يقع. هذا لن يتوقف لأن الذكاء الاصطناعي وصل.
لكن انتبه إلى الفرق بين المسمى واليوم. المسمى «أخصائي موارد بشرية» سيبقى على الأرجح. ما سيتغيّر هو ما يفعله هذا الأخصائي من الصباح إلى المساء.
لسنوات طويلة، كان معظم يوم موظف الموارد البشرية عملًا متكررًا: إدخال بيانات، وإصدار خطابات، والرد على السؤال نفسه عشرين مرة، وتجهيز تقرير الشهر. والقرارات المهمة كانت تُحشر في ما يتبقّى من الوقت. الذكاء الاصطناعي يقلب هذا الترتيب.
ما الذي سيأخذه الذكاء الاصطناعي من عمل الموارد البشرية؟
الجزء الذي يتبع نمطًا معروفًا. إذا كان العمل يُؤدّى بالطريقة نفسها كل مرة، والبيانات والسياسة تحسمانه، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يبدأ به أولًا. أمثلة:
- إدخال البيانات وتحديث ملفات الموظفين.
- الخطابات المعتادة، كشهادة الخبرة.
- الرد على أسئلة مثل «كيف أحدّث بيانات حسابي البنكي؟».
- الفرز الأول للسير الذاتية وجدولة المقابلات.
- حسابات الرواتب الشهرية ومراجعتها الأولى.
وهذا ليس رأيي وحدي. في مسح المنتدى الاقتصادي العالمي لأصحاب العمل، جاءت وظيفة «كتبة المحاسبة ومسك الدفاتر والرواتب» بين أسرع الوظائف تراجعًا حتى ٢٠٣٠ (المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير مستقبل الوظائف ٢٠٢٥، الشكل ٢٫٢). لاحظ الكلمة: «كتبة». ما يتراجع هو العمل المكتبي المتكرر، لا الشخص الذي يفهم الناس والأنظمة.
لذلك إذا كانت خطة دراستك أو وظيفتك الأولى مبنية كلها على هذا النوع من العمل، فأنت تبني على الجزء الذي يغادر.
ما الذي سيكبر في عمل الموارد البشرية؟
عمل الحكم والتقدير. حين يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل المتكرر، يبقى للإنسان أن يراجع، ويحسم الحالات الصعبة، ويحاور الناس، ويتحمّل النتيجة. قد لا يتغيّر مسماك أبدًا، لكن ساعاتك ستتغيّر: جزء أكبر منها يصير للقرار.
شرحت هذه الفكرة بتفصيل، وظيفةً بوظيفة، في مقال أي وظائف الموارد البشرية تصبح وظائف حكم وتقدير حين يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل؟. وهنا أنظر إليها من زاوية من يقف في بداية الطريق.
والخبر الجيد لمن يدخل التخصص: هذا الجزء الذي يكبر هو الأصعب والأثمن. أن تشرح لموظف، وجهًا لوجه، لماذا رُفض طلبه. أن تقرّر هل هذا الاستثناء عادل. أن تقول للمدير رأيك الصادق. هذه أشياء لا يتعلّمها أحد من دليل إجراءات، ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحمّل مسؤوليتها.
هل تخصص الموارد البشرية مطلوب في السعودية؟
سأكون صريحًا: لم أجد رقمًا رسميًا منشورًا يقيس الطلب على خريجي الموارد البشرية تحديدًا في السعودية. لذلك لن أعطيك رقمًا. لكن هناك إشارات واضحة عن نوع الشخص الذي سيُطلب.
الشهادة وحدها لم تعد تكفي. في مسح المنتدى الاقتصادي العالمي، تتوقع ٣٨٪ من الشركات العاملة في السعودية أن تُسقط شرط الشهادة الجامعية لتجد المواهب التي تحتاجها، مقابل ١٩٪ عالميًا. وأكثر من ٧٠٪ منها ترى أن الإلمام بالتقنية مهارة يزداد الطلب عليها (المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير مستقبل الوظائف ٢٠٢٥، ص ٦٩). الرسالة لمن يدرس: ما تستطيع فعله سيهمّ أكثر من اسم الشهادة.
الدولة تريد أن يعرف الجميع أساسيات الذكاء الاصطناعي، لا المختصون فقط. تستهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي أن يتدرّب نحو ٤٠٪ من القوى العاملة في المملكة على المعارف الأساسية في البيانات والذكاء الاصطناعي بحلول ٢٠٣٠ (سدايا). وموظف الموارد البشرية من هذه القوى العاملة.
وزارة الموارد البشرية نفسها تتحرك. أطلقت الوزارة، ممثلة بالمجلس القطاعي الرقمي للمهارات ومع شركاء من القطاعين الحكومي والخاص، مبادرة «مركز التميّز للذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر ليب ٢٠٢٦ في الرياض، بهدف تسريع تبنّي العاملين في سوق العمل لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتنمية مهاراتهم بما يوائم الاحتياجات المستقبلية (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية).
اجمع هذه الإشارات معًا. السوق لن يبحث عن «خريج موارد بشرية» فقط. سيبحث عن شخص يفهم الناس، ويعرف الأنظمة، ويعمل مع الذكاء الاصطناعي ويراجعه. وهذا ما أقصده حين أقول إن التخصص يستحق بشرط أن تتعلّمه بطريقة مختلفة.
ما مهارات الموارد البشرية التي تبنيها من الآن؟
على مستوى العالم، يرى أصحاب العمل أنه لو كانت القوى العاملة في العالم ١٠٠ شخص، لاحتاج ٥٩ منهم إلى تدريب بحلول ٢٠٣٠. وتتصدّر مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قائمة المهارات الأسرع نموًا، تليها الشبكات والأمن السيبراني ثم الإلمام بالتقنية. ويزداد كذلك الطلب على التفكير الإبداعي، والمرونة والقدرة على التكيّف، وحب التعلّم المستمر (المنتدى الاقتصادي العالمي، ص ٦). وبلغة الموارد البشرية، هذه أربع مهارات:
قراءة البيانات وطرح السؤال الصحيح
لن تحتاج أن تكون عالم بيانات. لكنك تحتاج أن تفتح تقرير التسرّب أو الرواتب وتفهم ما يقوله، وأن تسأل: لماذا ترك خمسة موظفين القسم نفسه هذا الربع؟ الذكاء الاصطناعي يعطيك الأرقام في ثوانٍ. السؤال الجيد يبقى عليك.
فهم الأنظمة: نظام العمل، وحماية الأجور، والتأمينات الاجتماعية
حين يجهّز الذكاء الاصطناعي المسودة، من يعرف إن كانت صحيحة؟ أنت. ولن تعرف إلا إذا فهمت القواعد التي يعمل بها سوق العمل السعودي. هذه المعرفة لم تعد للحفظ فقط. صارت أداتك لمراجعة عمل الذكاء الاصطناعي واكتشاف خطئه.
العمل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي ومراجعة مخرجاتهم
الذكاء الاصطناعي التوكيلي لا يكتب لك فقط، بل يقوم بالعمل: يتحقق من الرصيد، ويطبّق السياسة، ويحدّث النظام. دورك أن تعرف ماذا تطلب منه، وأن تراجع ما فعله، وأن تتدخل حين يخطئ. تعلّم هذا مبكرًا، واستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام حقيقية من الموارد البشرية، لا في التجربة فقط. وإذا أردت أن تفهم ما يُسلَّم للوكلاء وما يبقى للناس، اقرأ الذكاء الاصطناعي التوكيلي في الموارد البشرية.
الحكم والتقدير والتواصل
أن تعرف متى تعطي السياسة جوابًا خاطئًا لهذا الشخص بعينه. أن تجلس مع موظف وتشرح له قرارًا لا يعجبه. أن تكتب بوضوح بالعربية والإنجليزية. وأن تقف خلف قرارك حين يعترض عليه أحد. هذه المهارات لا تأتي إلا بالممارسة، فابدأ مبكرًا.

نصيحة لمن يختار التخصص اليوم، ولمن بدأ العمل فيه
لمن يختار التخصص:
- ادرس الموارد البشرية، وأضف إليها مادة في الإحصاء أو تحليل البيانات. هذا المزيج نادر ومطلوب.
- استخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في مشاريعك الجامعية على مهام حقيقية: وصف وظيفي، أو سياسة إجازات، أو تحليل بيانات موظفين وهمية. ثم راجع ما أنتجته واكتشف أخطاءه.
- ابحث عن تدريب عملي في قسم موارد بشرية يستخدم أنظمة حديثة. ستتعلّم في ثلاثة أشهر أكثر مما تتعلّمه في سنة من الحفظ.
- تعلّم أساسيات نظام العمل السعودي مبكرًا. ستحتاجها لتراجع عمل الذكاء الاصطناعي، لا لتجتاز الاختبار فقط.
لمن بدأ العمل في الموارد البشرية:
- لمدة أسبوع، اكتب في نهاية كل يوم ملاحظة قصيرة: ما الذي فعلته باتباع قاعدة، وأين اتخذت قرارًا؟ سترى كم من يومك عمل متكرر.
- تطوّع لتكون المسؤول عن أول عمل يقوم به الذكاء الاصطناعي في قسمك. من يملك هذا العمل اليوم يصبح المرجع فيه غدًا.
- تعلّم أن تراجع، لا أن تقبل. إذا بدا ناتج الذكاء الاصطناعي مرتبًا، فهذا لا يعني أنه صحيح.
وللآباء والأمهات: لا تسألوا «هل التخصص مطلوب؟» فقط. اسألوا: «هل سيتعلّم ابني أو ابنتي العمل مع الذكاء الاصطناعي، وقراءة البيانات، والتعامل مع الناس؟» إذا كان الجواب نعم، فالتخصص خيار جيد.
حين أوظّف في Solvait، هذا هو السؤال الذي أطرحه: هل يستطيع هذا الشخص أن يراجع عمل الذكاء الاصطناعي ويقرّر؟
هذه الفكرة، أن الذكاء الاصطناعي يقوم بالعمل والناس يحكمون، في قلب الكتاب الذي أكتبه عن المنشأة ذات الذكاء الاصطناعي بالفطرة.
كتبت أيضًا عن الضغط الذي يعيشه قسم الموارد البشرية اليوم في مقال الذكاء الاصطناعي يعيد كتابة دور الموارد البشرية في السعودية.
إذا أردت فكرة واحدة وملاحظة صادقة واحدة من تجربة البناء كل شهر، اشترك في النشرة.
الأسئلة الشائعة
هل الموارد البشرية لها مستقبل؟
نعم. كل منشأة فيها موظفون تحتاج إلى من يختار الناس ويدفع لهم بعدل ويهتم بهم. لكن يوم موظف الموارد البشرية يتغيّر: العمل المتكرر ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي، وعمل الحكم والتقدير يكبر. المسمى يبقى، والمهارات المطلوبة تتغيّر.
هل تخصص الموارد البشرية مطلوب في السعودية؟
لا يوجد رقم رسمي منشور يقيس الطلب على خريجي الموارد البشرية تحديدًا. لكن الإشارات واضحة: ٣٨٪ من الشركات العاملة في السعودية تتوقع إسقاط شرط الشهادة لتجد المواهب مقابل ١٩٪ عالميًا، وأكثر من ٧٠٪ منها ترى الإلمام بالتقنية مهارة صاعدة، حسب المنتدى الاقتصادي العالمي. أي أن المطلوب هو خريج يجمع فهم الناس والأنظمة مع العمل بالذكاء الاصطناعي، لا الشهادة وحدها.
هل الذكاء الاصطناعي ياخذ وظائف البشر؟
سيُلغي بعض الوظائف ويخلق غيرها. يتوقع أصحاب العمل في مسح المنتدى الاقتصادي العالمي أن تنشأ ١٧٠ مليون وظيفة وتختفي ٩٢ مليونًا بحلول ٢٠٣٠، أي بزيادة صافية قدرها ٧٨ مليون وظيفة، نتيجة كل التحولات التي يتوقعونها ومنها التقنية. والوظائف الأسرع تراجعًا هي الوظائف المكتبية المتكررة، مثل «كتبة المحاسبة ومسك الدفاتر والرواتب». أما العمل الذي يحتاج إلى قرار وثقة وتحمّل للنتيجة فيبقى للناس.
أنا جديد في الموارد البشرية، هل وظيفتي في خطر؟
الجزء المتكرر من وظيفتك هو المعرّض للخطر: إدخال البيانات، والخطابات المعتادة، والرد على الأسئلة المتكررة، والجانب الحسابي من الرواتب. أما الباقي فلا. وإذا نقلت يومك نحو المراجعة والقرار والتعامل مع الناس، تصبح أكثر فائدة لا أقل. للتفصيل وظيفةً بوظيفة، اقرأ أي وظائف الموارد البشرية تصبح وظائف حكم وتقدير.
ما مستقبل الموارد البشرية في السعودية؟
مستقبل فيه ذكاء اصطناعي أكثر، وحكم وتقدير أكثر. تستهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تدريب نحو ٤٠٪ من القوى العاملة على المعارف الأساسية في البيانات والذكاء الاصطناعي بحلول ٢٠٣٠، وأطلقت وزارة الموارد البشرية مبادرة «مركز التميّز للذكاء الاصطناعي» في ليب ٢٠٢٦. مختص الموارد البشرية الذي يعمل مع الذكاء الاصطناعي ويراجعه سيكون في موقع قوي. باختصار: الذكاء الاصطناعي ينفّذ، والناس يحكمون.
المراجع
- المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير مستقبل الوظائف ٢٠٢٥ (ملف بالإنجليزية)، يناير ٢٠٢٥ (ص ٥: ١٧٠ مليون وظيفة جديدة و٩٢ مليون وظيفة تختفي بحلول ٢٠٣٠، بزيادة صافية ٧٨ مليونًا؛ ص ٦: ٥٩ من كل ١٠٠ عامل يحتاجون تدريبًا بحلول ٢٠٣٠، ومهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة الأسرع نموًا تليها الشبكات والأمن السيبراني والإلمام بالتقنية، مع صعود التفكير الإبداعي والمرونة وحب التعلّم المستمر؛ ص ١٩، الشكل ٢٫٢: كتبة المحاسبة ومسك الدفاتر والرواتب بين أسرع الوظائف تراجعًا؛ ص ٦٩: السعودية، ٣٨٪ من الشركات تتوقع إسقاط شرط الشهادة مقابل ١٩٪ عالميًا، وأكثر من ٧٠٪ ترى الإلمام بالتقنية مهارة صاعدة)
- الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي: الأداء (ملف بالإنجليزية)، نوفمبر ٢٠٢٥، والاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي (٢٠٢٠، ملف بالإنجليزية)، ص ٢٧ (مستهدف تدريب نحو ٤٠٪ من القوى العاملة على المعارف الأساسية في البيانات والذكاء الاصطناعي بحلول ٢٠٣٠)
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، إطلاق مبادرة «مركز التميّز للذكاء الاصطناعي» خلال أعمال مؤتمر ليب ٢٠٢٦، ٢٠٢٦